Site icon الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ

العلم الأعم والكشف الأتم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين
وبعد،
قال تعالى: (وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون)، وقد فسَّرها حَبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما فقال: “أي ليعرفون”.
وقد جاء في كلام النبوة أن من عرفَ نفسه عرفَ ربه، وأعرفكم بنفسه أعرفكم بربه.
ولا زالت نفس العبد تترقى في المراتب وتتنوع معرفته بها، على أي معنى دل لفظ النفْس، فمن عرف نفسه الأمارة، عرف ربه بالأمر، ومن عرف اللوامة عرفه بالنهي، ومن عرف الملهمة عرفه بالإلقاء، ومن عرف المطمئنة عرفه بالحضور، ومن عرف الراضية عرفه بالإحاطة، ومن عرف المرضية عرفه بالجود، ومن عرف الكاملة عرفه تمام المعرفة.
فالمعرفة مطلوب كل مؤمن، والمؤمنون على مراتب فيها، وما من عمل يقرب إلى الله إلا ويعطي مزيد علمٍ به، كذا فكل عملٍ ينبغي أن يستند إلى علمٍ يقيمه، ومن ذلك ما ينفع السالك العلم به مما نورده في هذا المقال.
فاعلم أيها المريد أنَّ الكثرة التي هي أجزاء العالَمِ تتجاذبُ مداركَ الإنسان بحسب ما يطلبه كل مَدْرَكٍ جُزئيٍّ فيه منها، فيكون الميل منه إلى ما يلحظ ويطلب منها.
ولا زال السالك المخصوص صاحب المضاهاة والاستهلاك بالفكر في الصفات العُلى المتجلية في الأكوان، وبالذكر في الأسماء الإلهية الحاكمة على كل مرتبة من مراتب العالم وما يضاهيها فيه، حتى يعرف نفسه في كل مرتبة خيالية أو مثالية أو معنوية أو روحية، ويستحضر وحدته الجامعة لصوره اللطيفة والكثيفة، فيشهد نفسه حِسًّا ومعنى صورةً جامعةً متوسطةً، كنقطة مركز الدائرة، فيقابل كل نقطةٍ على محيطها بذاته خاليًا من الميل لكل جزءٍ، مستمدًا من أحدية جمع الأسماء الإلهية الممدة لجميع دائرة كونه، والمحيطةِ بدائرة الأكوانِ جميعا، مستشعرًا الفيض الأحدي التجلي الدائم، متجاوزًا رتبةَ حُبَّ النوافل التي باطنها قوله تعالى في الحديث القدسي: “كنت سمعه وبصره ويده ولسانه”، فتتحد حواسه ومداركه، وينتقش فيه العلم بممده وخالقه، فينطق بالحقِّ كما نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مِن أنَّ الله يقول على لسان عبده إذا رفع من الركوع: “سمع الله لمن حمده”.
وهذا العلم هو ما يميِّز به العارف صاحب هذا المقام بين أقوال القائلين من أهل الفكر، ومن أهل الذوق من المتوسطين والمبتدئين الذين لم يحصوا في هذا المقام، فيعرف سبب اختلافهم، ومن أين يدخل الخطأ على من أخطأ، ومن هذا المقام يكون منه التماس الأعذار، حتى قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه في وصفه: “أمَّعة؛ لِمَا في فلَكِهِ مِنَ السِّعة”.
ويعلم أيضًا خطأ صاحب الكشف في أمرٍ ما، وإن صحت مشاهدته لذلك الأمر، فإن معرفة الكشف يلزمها علمٌ زائد عن ذلك الكشف الخيالي أو المثالي، كما هو في أكثر الرؤى المنامية، فليس كل أحد لديه علم عبورها وتأويلها، فيقع الخطأ في التأويل لا في عين المرئي، وصاحب هذا المقام له العلم التام والإدراك الجمعي، وأما من دونه فله علم جزئي عن إدراكٍ جُزئي لعدم تحرره من علائق الأكوان.
فإن ثبت عندك ما قدمناه من العلم النافع، فاعلم أن طريق حصول ذلك الحال الموصوف بالجمعية إنما هو الذكر المعلوم عند أهل المجاهدات والرياضات، وهو ما يتلقنه المريد من الكيفيات، وأقربها ذكر الله، ومراقبة الأنفاس، واستهلاك النفس في الذكر بدفع الخواطر، والتدرج من الحضور في الذكر إلى الحضور مع المذكور، إلى استشعار حضوره تعالى، وأيسر ذلك الذكر ذكر الاسم المفرد واللفظ المجرد “الله”، وفي الحديث: لا تقوم الساعة وفي الأرض رجل يقول الله الله. وذلك الرجل هو نقطة مركز الدائرة، صاحب وقته، رضي الله عنه في كل زمانٍ ومكان، ورضى على من ضاهاه، وذكر الله كثيرا، والحمد لله رب العالمين.

أيمن حمدي الأكبري

Exit mobile version