Site icon الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ

في اللطائف

إنَّ الجميلَ مِن الشخوصِ لَوَاحِدٌ

جَمَعَ المَحَاسِنَ فَهْوَ فَرْدٌ جَامِعُ

وَيَظُنُ بَعْضُ الْخَلْقِ غَيْرُ صِحَابِنَا

ظَنًّا بِأنَّ الكَّوْنَ فَرْقٌ شَاسِعُ

أمَّا الذِينَ تَنَعَّمُوا فِي سَيْرِهِمْ

قَالُوا بِأنَّ الكَّوْنَ مِثلٌ وَاسِعُ

كَمْ قَابَلُوهُ بِمَا يَلِيقُ فَأدْرَكُوا

مَا فَوْقَ طَوْرِ الْعَقْلِ مِنْهُمْ فَاسْمَعُوا

هَذِي طَرِيقَتُنَا وَسِرُّ جَلَائنَا

غَضُّ الْبَصَائرَ فَالْعَقُولُ الرَّاجِعُ

مِنْهُ إلَيْهِ فَلَا سِوَاهُ فَهَلْ تَرَى

مِرْآةَ ذَاتِكَ أمْ عَلَيْكَ بَرَاقِعُ

لَوْلَا تَمُدُّ شُعَاعَ عَيْنِكَ فِي السِّوَى

لَبَدَتْ لِعَيْنِكَ فِيكَ جَدُّ بَدَائعُ

وَعَلِمْتَ أنَّكَ فِيكَ سَبْعَ لَطَائفٍ

وَكَمِ اسْتَفَاضَتْ حِينَ فَاضَ الصَّانِعُ

هَذِي لَطَائفُنَا وَهَذَا وَصْفُهَا

وَالْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ رُوحٌ طَائعُ

فَالْقَالِبِيَّةُ قَابَلَتْ مَا فَوْقَهَا

فَإلى النُّجُومِ مَعَ الزَّمَانِ تُطَالِعُ

وَلَهَا مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَرَبِّهِ

وَيَمِينِهِ فَيْضٌ قَضَاهُ الشَّارِعُ

وَلَطِيفَةُ النَّفْسِ اسْتَفَاضَتْ فَارْتَقَتْ

لِلَّوْحِ حَيْثُ الْحَرْفُ نُورٌ سَاطِعُ

وَلَطِيفَةُ الْقَلْبِ اسْتَمَدَّتْ نُورَهَا

فَأفَادَهَا عَقْلٌ كَرِيمٌ مُبْدَعُ

وَلَطِيفَةُ السِّرِّ اسْتَفَادَتْ مَا لَهَا

فَإذَا الْمِدَادُ هُوَ الْبَيَاضُ النَّاصِعُ

وَالرُّوحُ جَدُّ لَطِيفَةٌ عُلْوِيَّةٌ

فَبَدَى لَهَا الْعِلْمُ الْقَدِيمُ الجَّامِعُ

أمَّا الْخَفِيَّةُ فِيكَ فَهْيَ لَطِيفَةٌ

سَنَحَتْ لَهَا الْأسْمَاءُ وَهْيَ تُتَابِعُ

وَكَذَاكَ فِيكَ لَطِيفَةٌ حَقِّيَّةٌ

فَهْيَ الْعُبَيْدُ الذَّاتِ وَهْيَ الرَّاكِعُ

رَضِيَ الْإلَهُ عَنِ الْأُولِي قَدْ أَكْرَمُوا

وَأنَا وَأنْتَ مُشَاهِدٌ أوْ سَامِعُ

وَبِخَاصَةٍ شَيْخِي فَفَيْضُ علُومِهِ

مِنْ ذَاتِهِ مِنْ طَيِّ، صَيْبٌ نَافِعُ

…..

الحمد لله

وبعد

فَلَمَّا كَانَ الشِّعْرُ مَحَلَّ الْإجْمَالِ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْأكْبَرُ رَضْيَ اللهُ عَنْهُ وَأرْضَاهُ. أرَدْتُ أنْ أُجمِلَ حَاصِلَ كَلَامِهِ عَنِ اللطَائف فَي هَذَا النَّظْمِ لِيَسْهُلَ عَلَى الطَّالِبِ حِفْظَهَا، وَلَوْ تَرَكْتُ الْعَنَانَ لِتَفْصِيلِ هَذَا المُجْمَلِ لَمْ يَسَعْ هَذَا الْمَوْضِعُ شَرْحَ مَا يَلْزَمُ السَّالِك فِي هَذَا الشَّأنِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَالَّذِي فِي الإمْكَانِ أنْ نُقَدِّمَ كَلَامًا يُقَرِّبُ لِلطَّالِبِ مَا قَصَدْنَا بَيَانَهُ فِي حَقِيقَةِ اللطَائف.

فَاللطِيفَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَكْسُ الكَّثيفَةِ، فَإنَّ لِكُلِّ شَيءٍ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، كَمَا أنَّ فِي الْعَالَمِ أمرٌ وَخَلْقٌ، وَكَلَامُنَا فِي هَذَا الْمَقالِ عَنِ اللطَائف الْإنْسَانِيَّةِ باصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ، لَا عَنْ كُلِّ لَطِيفٍ حَوَاهُ الشَّخْصُ الإنْسَانِيُّ، فَإنَّهَا لا تُحْصَى وَإنْ كَانَتْ تَنْحَصِرُ، فَجَعَلْنَا الكَّلَامَ بِحَسَبِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، مَعَ غَضِّ الطَّرَفِ عَنْ بَعْضِ الاخْتَلَافِ فِي كَلَامِهِمْ، فَإنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا خَمْسَةً فِي الْإنْسَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَهَا فِي سِتِّ لَطَائفَ، وَفِي سَبْعِ لَطَائفَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عِبَارَةً عَنْ مَرَاكِزَ إدْرَاكِية مُطَابِقَة لِمَا عِنْدَ أهْلِ الْهِنْدِ مِنَ الشَّكْرَاتِ، وَقَدْ حَصَلَ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي تَحْدِيدِ مَوَاضِعَهَا فِي الجِّسْمِ الآدَمِيِّ، فَلَا نَخُوضُ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ مَقَصِدِنَا فِي هَذَا الْمَقالِ، وَإنَّمَا الْقَصْدُ حُصُول الرَّابِطَةِ بَيْنَ لطَائف السَّالِكِ وَلَطَائفَ الوُجُودِ خَلْقًا وَأَمرًا وَحَقًّا، وَمَا يَصْحَبُ ذَلِكَ مِنْ اسْتِمْدَادِ الْفَيْضِ الْإلَهِيِّ عِنْدَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ المَرَاتِب الكَّوْنيَّة والحَقيَّةِ، مَتَى اتَصَلَ بِهَا السَّالِكُ الْمُتَوَجِهُ إلَيْهَا.

والأصْلُ أنَّ الرَّبْطَ حَاصِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تَوَجَّهَتْ إلَيْهِ وجْهَتِكَ، سَوَاءً تَوجَّهْتَ بِجِسْمِكَ أوْ نَفْسِكَ أوْ عَقْلِكَ أوْ قَلْبِكَ أوْ مَا كَانَ مِنْ لَطَائفَ وُجُودِكَ، وَذَلِكَ مَهْمَا اخْتَلَفَ مَا تَوَجَّهْتَ إلَيْهِ مِنْ مَطْلُوبٍ كَثِيفٍ أوْ لَطِيفٍ، عَالٍ كَانَ أوْ مُسْتَفِلٍ، فقَصَدْنَا التَّعَرُّفَ عَلَى اللطَائفَ الْمَلَكُوتِيَّةِ فِي الشَّخْصِ الْآدَمِيِّ، وَمَا يُقَابِلُهَا مِنَ العَالَمِ، وَالتَّجَرُّدَ عَمَّا قَدْ يَرْتَبِطُ بِهِ السَّالِكُ مِنْ مَالٍ وَعِيَالٍ وَصَاحِبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ رِيَاضَةً يَعْرُجُ بِهَا مَنْ أتْقَنَهَا فِي عَوالِم اللهِ تَعَالَى،  فَإنَّ صِحَةَ الْبِدَايَاتِ تُؤذِنُ بِصِحَةِ النِّهَايَاتِ، وَقَدْ أعْلَمَنَا الشَّرْعُ الْمُنزَّلُ أنَّ مِنْ شَرْوطِ صِحَّةِ وَكَمَالِ التَّوَجُهِ لله تَعالَى فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادِ الدِّينِ، تَوْجِيهَ القَالِبِ الجُّسْمَانِيِّ الَي الكَّعْبَةِ، لِكَوْنِهَا مَحَلُ التَّنَزُلاتِ، وَمَجْمَعُ قُلُوبِ وَأرْوَاحِ الطَّائفِينَ مِنْ عَالَمَيِّ الْمُلْكِ والمَلكُوتِ.

فَيَنْبَغِي عَلَى الْمُتَوجِّهِ اسْتِشْعَارَ قَابِلِيَّةِ اللطِيفَةِ القَالِبِيَّةِ لِسَرَيَانِ شُعَاعَاتِ التنزُلاتِ حَتَّى تَنْفَتِحَ فِيهِ مَغَالِيقُ الْحُجُبِ الجُّسْمَانِيَّةِ، فَإذَا دَاوَمَ عَلَى هَذَا الْحَالِ اسْتَيْقَظَتْ سَائرُ لَطَائفِهِ، وَاسْتَمَدَتْ مِمَّا أشَرْنَا إلَيْهِ فِي النَّظْمِ، ونُفَصِّله نثرًا إنْ شَاءَ الله.

قَالَ تَعَالَى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)؛ يَعْنِي لِتَلَقِّي التَّنَزُلاتِ الْأمْرِيَّةِ الْمُودَعَةِ فِي السَّمَاوَاتِ، (فلنولينك قبلةً ترضاها) لِمَوْقِعِهَا فِي قلَبْكِ،َ وَهِيَ مَحَلُّ التَّوَجُّهِ، (فول وجهك شطر المسجد الحرام) لِكَوْنِهِ مَسْقَط شُعُاعَاتِ التَّنزُلَاتِ، وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أوَّلِ اللطَائفَ الْإنْسَانِيَّةِ، وَمفْتَاحِ حُصُولِ رَابِطَةِ الْإمْدَادِ وَالاستمدادِ، ومَا تُعْطِيهِ مِنَ التَّرَقِيَّاتِ، فَإنَّ الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْمُؤمنِ، فَإنْ بَانَ لَكَ ذَلِكَ اعْتَمَدْنَا عَلَى مَا أدْرَكْتَهُ فِيهِ، ثُم قِسْ عَلَيْهِ مَا تَرْتَاض بِهِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِكَ كُلِّ لَطِيفَةٍ مِنْ لَطَائفِكَ السَّبْعِ الَّتِي نَذْكُرُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ؛ وَهِيَ:

اللطيفةُ القَالِبيَّةُ: أيْ لَطِيفَةُ الجَّسَدِ بِجُمْلَتِهِ، وَشُغْلُهَا حَيَاةُ الحَوَاسِ وَالْأعْضَاءِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا ذَاتُ الصُّدُورِ، وَهِي عِبَارَةٌ عَنْ الْقَابِليَّةِ النَّاشِئةِ مِنِ الْهَيئةِ الْاعتِدَاليَّةِ الْعُنصُريَّةِ، وَتَكُونُ قَابِلِيَّتُهَا لِفَيْضِ اللطَائفَ الْفَلَكِيَّةِ المُستَفِيضَةِ مِنَ الْفَلَكِ الْأطْلَسِ، وَمَا دُونَهُ، وَبِهَا يَتَمَيَّزُ الْإنْسَانُ عَنِ الْحَيوانِ، وَهِيَ لَطِيفَةٌ لَا تَفْنَى بِفَنَاءِ الْجَسَدِ.

اللطِيفَةُ النَّفْسِيَّةُ: وَشُغْلُهَا الْمَيْلُ؛ وهِيَ عِبَارَةٌ عَن قَابِليَّةٍ فِي الإنسَانِ، مُسْتَعِدَّةٍ لِفَيْضِ الْكُرْسِيِّ، وَمَا يَتَلَقَّاهُ مِمَّا فَوْقَهُ مِنْ مَرَاتِب العَالَمِ الَى النَّفْسِ الكُّلِيَّةِ، فَإنَّ ثَمَّ مُضَاهَاة بَيْنَ نَفْسِ الْإنْسَانِ والنَّفْسِ الكُليةِ التِّي هِيَ لَوْحُ العَالَمِ.

اللطيفةُ القَلْبِيَّةُ: وَشُغْلُهَا جَلاءُ مِرْآةِ القَلْبِ، وَهِيَ قَابِليَّةٌ مٌسْتعِدَّةٌ لِفَيْضِ الْعَرْشِ وَمَا فَوْقَهُ الَي الْعَقْلِ الكُّلِّي. وَالْقَلْبُ عِنْدَ أصْحَابِ المْشْرَبِ الْأكْبَرِيِّ عِبَارَةٌ عَنْ هَيْئةٍ رُوحَانِيَّةٍ حَاصِلَةٍ باجْتِمَاعِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالاعْتِقَادَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَالأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالأخْلَاقِ الحَمِيدَةِ. فَكَمَا أنَّ الجِّسْمَ الْعُنْصُرِيَّ يَتَكَوَّنُ مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالهَوَاءِ وَالنَّاِر، وكذا تتكونُ الأجسام الطَّبيعِيَّةُ مِنَ الحَرَارَةِ وَالبُرودَةِ والرُّطوبَةِ واليبوسَةِ، فَكَذَلِكَ يكُونُ ذَلِكَ القلْبُ المَلَكُوتيُّ، فَالعُلُومٌ النَّافِعَةُ، والاعتِقَادَاتٌ الصَّحِيحَةٌ فًاعِلَان، وَالأعْمَالُ الصَّالِحَةُ والأخْلَاقُ الْحَمِيدَةُ مُنْفَعلانِ، وَسَلامَةُ القَلبِ المَلَكُوتيِّ عَبَارَةٌ عَنِ اعْتِدَالِ مُكَونَاتِهِ.

اللطيفةُ السِّريَّةُ: وَشُغْلُهَا السُّكُونُ لِمَا يَبْرُزُ فِي مِرْآةِ الْقَلْبِ وَكَتْمُهُ، وَهِيَ قَابِلِيَّةٌ مُسْتَعِدَّةٌ لِفَيْضِ اللوحِ، وَمَا يَمُدُّهُ مِنَ الْأنْوَارِ الْمِدَادِيَّةِ.

اللطيفَةُ الرُّوحِيَّةُ: وًشُغْلُهَا الانْشِغَالُ عَنِ القلْبِ بِمُواجَهَةِ الْحَضْرَةِ حَتَّى تَتَجَلَّى صُوَرُهَا فَي مِرْآةِ الْقَلْبِ، وَهِيَ قَابِليَّةٌ مُسْتَعِدَّةٌ لِفَيْضِ الْقَلِمِ، وَمَا وَرَاءَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الْعِلْمِيَّةِ.

اللطيفَةُ الخَفيَّةُ: وَشُغْلُهَا النَّظَرُ فِي سَرَيَانِ عَالَمِ الْأمْرِ فِي الإنْسَانِ، وإدْرَاكِ آياتِهِ؛ وَهِيَ قَابِلِيَّةٌ مُسْتَعِدَّةٌ لِفَيْضِ الصِّفَاتِ الْوَاحِدِيَّةِ الْأسْمَائيَّةِ.

اللطِيفَةُ الْحَقِّيَّةُ: وَحَالُهَا الانْشَغَالِ بَالْحَقِّ فِي جَمْعِيَّةِ الْخَلْقِ؛ وَهِيَ قَابِلِيَّةٌ مُسْتَعِدَّةٌ للفُيوضِ الذَّاتِيَّةِ.

وَالحَقُّ أنَّ تَحْصِيلَ تِلْكَ الإدْرَاكَات ِالذَّوْقِيَّةِ، وَتَلَقِّي تِلْكَ الفيوضَاتِ الجُّودِيَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالرِّيَاضَاتِ والمُجُاهَدَاتِ، فَمَنْ صَحَّحَ بِدَايَاتَهُ عَلى هَذَا الْمِنْهَاجِ سَارَ فِي مَدَارَاتِ السَّالِكِينَ، وَطَارَ إلَى مَنَارَاتِ العَارِفينَ، وَأقَامَ فِيمَا شَاءَ لَهُ اللهُ مِنْ مَقَامَاتِ أهْلِ التَّمْكِينِ، جَعَلَنَا اللهُ وَإيَّاكُمْ أهْلاً لِذَلكَ، وَأقَامَنَا فِي مِحْرَابِ هُنَالِكَ. وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِين.

Exit mobile version