
اسمي مع اسمك مجموعٌ، ويا عبدي
حرفٌ مع اسمٍ، وعينُ الفعلِ إسعادي
ثلاثةٌ قد عَلمنا حُكمها، ولذا
نظَمتُها، غير أني لستُ بالشادي
وغيرهُا ليس يسري حُكمُه، أترى
حرفاً لفعلٍ وحرفاً معهما بادي؟
كذاك أمثالُنا والأمرُ أظهرها
لِمن يرى أمَّنا جسراً لأولادي
فالاستحالةُ والتركيبُ والجمعُ
ثلاثةٌ دورها قُربي وإبعادي
فالاجتماعُ مع التركيبِ في سكني
والاجتماعِ كصفٍّ نظمُهُ بادي
ثُم الثلاثةُ كالتكوين في بدني
فعينُها جمعُها، والقصدُ إفرادي
فذلك السرُّ إن حققتَ نُكتتهُ
كأن ترى ما سرى في عين إشهادي
وبعدُ ……
قال تعالى (فإذا سويته ونفختُ فيه مِن روحي فقعوا له ساجدين) فالتسويةُ والنفخُ حُكمان افتتح بهما سبحانه وتعالى دورة الخلافة الأدمية، وبالإنسان تمَّ العالَم، وبالكامل صلى الله عليه وسلم تمت مراتبه، وما تبقى مما ظهر ويظهر في العالم إلا الصور، وهي عبارة عن مجالي ومظاهر الأسماء والحقائق.
ثم إن جميع العالَم بما حوى عبارة عن كلمات الرب تعالى (قُل لو كان البحرُ مِداداً لكلمات ربي لنفدَ البحرُ قبلَ أن تنفد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مددا)، فاعتبرنا بمثل هذه الآيات فنظرنا في الكلام في عُرفنا؛ أعني الكلام الأدمي؛ فوجدناه يوصل إلى المعنى، ثم المعنى يوصل إلى قصد المتكلم بالكلام، ثم قصد المتكلم يوصل إلى الباعث؛ وهو الإرادة؛ أي إرادة المتكلم إظهار أمرٍ ما مِن وجوده في علمه بالقوة إلى ظهوره في العالَم بالفعل.
والكلام عبارة عن اجتماع هيئة أصلها الحروف لإبراز معنى أراده المتكلم، وأجزاؤه معروفة، وهي الحرف والاسم والفعل.
فالحروف هيئة مجردة في أحد الوجودات الصوتية أو الذهنية أو الخيالية أو الكتابية.
والاسم كل دال على مسمى أو مظهرِ له، وهي على ثلاثة أقسام: –
أسماء الذات وأسماء الصفات وأسماء الأفعال.
ثم الفعلُ وهو ما له أثر من حركة مسمى فاعلٍ أو منفعلٍ، ولذا ربطوا الفعل بالزمن، والزمن ليس بموجودٍ على التحقيق كما قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه وأرضاه، بل هو نسبة مقدرة بحركة من حركات الأفلاك، وإن شئت قلت هو عبارة عن النسبة الحاصلة عند توالي هيئات المكان في الفوق والتحت.
فهذه أقسام الكلام الأصلية المكونة له، ومنها ما إذا اجتمع أو تم تركيبه أنتج معنى، ومنه غير ذلك مما لا يُنتج معنى.
فمما ينتج المعنى اجتماع الاسم مع الاسم كقولك امرأةُ جميلة، ورجلٌ شُجاع، ثم الاسم مع الفعل كقولك جاء أحمدُ، وقام عُمر، فهذان التركيبان منتجان للمعنى ولابد.
واختلفوا في اجتماع الاسم مع الحرف، فمنهم من قال بأن اجتماع الاسم مع الحرف منتج للمعنى، ومنهم من قال بعض هذا الاجتماع منتجٌ كاجتماع الاسم مع حرف النداء، وهو قول يا عبدي في البيت الأول. وعندي أن المنتج للمعنى ههنا فعل الأمر المضمر، ولذا قلتُ (وعين الفعل إسعادي) أعني أن اجتماع الاسم وحرف النداء يكون العاملُ فيه فعلٌ مضمر، كأنه تعالى إذ قال (يا عبدي) قال ( يا عبدي اقترب) فهذا عندنا عين السعادة الأبدية.
ثم قد يحدث المعنى باجتماع الاسم مع غير حرف النداء كما تراه في قوله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم) وهو اجتماع حرف الجر مع الاسم، غير أن المنتج للمعنى في هذا الموضع من الفاتحة فعل الحمد المشار إليه بقوله في الآية الثانية ( الحمد لله) وذلك عند كثير من العلماء، والمنتج عندي اجتماع الاسم مع الاسم، أعني اسم الحمد مع اسم الله في الفاتحة خاصة، فالحمد اسم، وقوله تعالى ( الحمد لله مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور وما ألحِق بهما من الأسماء في قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم) خبر مُقدَّم. أما المنتج للمعنى في غير بسملة الفاتحة من سور القرآن الكريم فالفعل المضمر وتقديره بسم الله أتلو، كما أن تقديره أفعل في بسملة العبد عند كل عمل.
فهذه الثلاثة التي قد علمنا حكمها هي ما أجملناه في النظم وفصلناه في النثر. وأما اجتماع الحرف مع الحرف، واجتماع الفعل مع الفعل، واجتماع الحرف مع الفعل فكل ذلك لا يؤثر في نفس المخاطَب معنى.
واعتبار ذلك في الحقائق اجتماع الأسماء في الحضرة الإلهية، فهذا هو الاجتماع الأول والنكاح الساري في جميع الذراري؛ وهو ما نوّه إليه الشيخُ الأكبر، وذكر أنه ألّف كتاباً فيه؛ إلا أن هذا الكتاب لا يزال مفقوداً.
ثم اجتماع الاسم الإلهي والفعل؛ أعني فعل الإيجاد؛ أما اجتماع الاسم الإلهي مع الحرف، وهو نظره تعالى باسمٍ خاص إلى حرفٍ عالٍ، أو عينٍ ثابتة، فهو مما ينتج بفعلٍ مضمر هو سر قوله تعالى للشيء (كن فيكون)، وهو قولنا نظماً ( كذاك أمثالنا والأمرُ أظهرها) وباقي البيت من كون الكلام بلسان الحقيقة الأدمية، وقد وصف سيد الخلق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الدنيا بالجسر.
ولمّا كان العالَم بأثره كلمات الله انسحب ما قلنا على غيره مع مراعاة ثلاثة أوضاع ذكرها أهل العلم وهي: – الاجتماع، والتركيب، والاستحالة، ومثَل الاجتماع اجتماع الحروف بصرف النظر عن المعنى الحادث أو عدم حدوث معنى، وكاجتماع الصف.
أما التركيب فيكون بين أجزاء مختلفات أو كلٍّ وجزء، أو غير ذلك بحسب العلم المستعمل، ومثاله اجتماع الطوب وصفّه وهو جنسُ واحدُ، وتخلل الأسمنت؛ وهو جنسُ آخر؛ بين أجزائه في بناء البيت وغيره، وهو سكني كما أشرتُ في النظم.
وأما الاستحالة فهي غاية الاجتماع والتركيب، كاجتماع العناصر الأربعة ( التراب والماء والهواء والنار) وتركيبها المخصوص بحيث استحالت إلى صورة غير صورة أفرادها وغير صورة تركيبها في البناء، وهي صورة البدن فانظر إلى سر التسوية ههنا نظرك للكلام نفسه، كما كان اجتماع العناصر في النشأة الأولى فُخارأً بالتسوية، ومن قبل نظرك للكلام انظر لاجتماع الحروف لتصل إلى المقصد ثم الباعث، وهو في الاعتبار الإرادة الإلهية، أو الباعث الحبي في قوله تعالى في الحديث القدسي (فأحببت أن أُعرَف).
أما النفخُ فهو عندنا النَفَس الخارج من تجويف الصدر والمار على مخارج الحروف، وفي الحقائق هو العماء أو النفَس الرحماني، ومروره على المراتب عبارة عن سريان السر في عالم الشهود لبروز كل موجود، سريان النفَس في الكلام والألف في الحروف، والواحد في الأعداد.
وهذا مختصرٌ ومقدمة لمعرفة هيئات اجتماع الحروف وتركيبها واستحالتها في فاتحة الفاتحة، وهو قوله تعالى ( بسم الله الرحمن الرحيم)، أما تفصيل هذه المسألة فقد فصلها أجل تفصيل الشيخ الكبير الجليل سيدي صدر الدين القونوي قدَس الله سره وأعلى ذكره وألحقه بشيخه الأكبر والنبيين في أعلى عليين من درجات الجنان، في كتابه إعجاز البيان في تفسير أم القرآن.
وصلى الله على النور البادي والنبي الهادي سيدنا محمدٍ وآله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين، والحمد لله وما أنا مِن المشركين.
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
