لا يخلو طريق المتعلم مِن مُعَلِّمٍ، قد يسمى شيخًا، أو أستاذًا، أو مُربٍ، أو صاحبًا، وهكذا كان أمر محيي الدين ابن العربي الذي تُخبرنا سيرته بأنه تلقى علومه عن عشرات الشيوخ، بداية من أبي عبد الله الخياط الذي حفظ عليه القرآن في أشبيلية بدايةُ من سنة 568 هـ، إلَّا أننا سوف نقف في هذا المقال مع بعض من صحبهم عند دخوله طريق القوم في سنة 580 هـ، بحسب ما أكَّدَه في مواضعٍ عدة مِن مؤلفاته.
وبحسب ما كتب ابن العربي في كتابه روح القدس في مناصحة النفس، فقد كان أبو العباس أحمد العُريبي أول من قابلهم واستفاد منهم من الشيوخ في رحلة تعَرُّفِهِ على طريق القوم، ولكن بحسب ما وصل إلينا من علاقته بالشيوخ منذ عام 580 هـ، وما بعدها بقليلٍ من الأعوام، فإن انتفاعه بصحبتهم قد لا يُعد سلوكًا منتظمًا، فقد ذكر أنه قابل في نفس العام أبا عمران المِرْتُلي، وقد حكى ابن العربي أنه دخل ذات يومٍ على العريبي وشكى له ما يلاقيه مِن قبضٍ لما يرى الناسَ عليه من بعدهم عن الحق، فقال له العريبي: عليك بالله، ثم خرج من عنده ودخل على المِرتُلي بنفس حاله، فقال له: عليك بنفسك، فحار ابن العربي وحكى له قول العريبي، فبكى وقال له ما معناه أن العريبي دلك على الحق، وأن كلًا منهما دلَّه بحسب حاله، فرجع للعريبي وحكى له، فقال له: هو دلك على الطريق، وأنا دللتك على الرفيق، فاجمع بين قولينا تسلم.
هكذا يشير ابن العربي إلى أن الأخذ عن أكثر من شيخٍ في شأن التربيةِ قد يسبب الحيرة للمريد، إلا من رحم ربي، وقيَّد له من الشيوخ من هم كهذين الشيخين في الكمال والتجرد، أمَّا في شأن تعلُّم العلوم، فللطالب أن يأخذ كل عِلْمٍ من أهله، إنما يلزم المريد صحبة الشيخ الواحد في طريقِ رياضة النفْسِ، المعبَّر عنه عند القوم بطريق الإرادة، أو التربية، والذي اصطلحوا على تسميته بالطريقة، وقد تطور هذا المفهوم بعد ذلك بظهور التصوف الطرقي الذي عُرف في المشرق الإسلامي فيما بعد، أما هذه الفترة فقد كان لكل شيخٍ مريدون ينتسبون إليه حتى يحصل الفتح لمن اجتباه الله منهم، فيتصدر لإرشاد الخلق على طريقته التي فتح الله عليه بها دون أن يسميها.
وفي هذا الصدد يذكر ابن العربي أن أحد أصحاب إمام اليسار قد نقل له رسالة أوصاه فيها أن لا ينتسب إلى أحدٍ من الشيوخ، وأن يذكر فضلهم عليه دون انتسابٍ إليهم، بل يجعل نسبته إلى الله تعالى الذي فتح عليه بالجذب قبل أن يتلقى من شيوخ التربية شيئا، ولعله قصد بهذا الإمام شيخ شيوخه أبا مدين الغوث التلمساني، فإن هذا كان حاله أيضًا، فابن العربي إذًا لم يسلك على طريقةِ واحدٍ منهم، بل جمع من العلوم والفنون ما جعله ينفرد بطريقةٍ جامعةٍ سوف تظهر ملامحها فيما بعد، وسوف يرثها بعض من صاحبه من المريدين كعبد الله بدر الحبشي الذي ألَّف له ابن العربي كتابه مواقع النجوم، ووصفه أنه شيخ من لا شيخ له، بل إنَّ هذا الكتاب مما يحتاج إليه الشيوخ أيضًا.
وربما يؤكد ما ذهبنا إليه مِن أن ابن العربي لم يصحب هؤلاء الشيوخ في بدايته صحبة المريد للشيخ، ما حكاه عن قراره بالتجرُّدِ عن دنياه حيث قال: “وهكذا كان خروجنا عمَّا بأيدينا، ولم نسند أمره إلى أحدٍ، لأنَّا لم نرجع على يدِ شيخٍ، ولا كنت رأيتُ شيخًا في الطريق، بل خرجتُ عنه خروج الميت عن أهله وماله، فلما شاورنا الوالدَ، وطلب مِنَّا الأمر في ذلك، حكَّمناه في ذلك” ، وهذا يعني أنه لما قرر سلوك طريق التجريد لم يكن قد لزم أيًّا من الشيوخ لزوم تربيةٍ، ولم يأمره أحدٌ منه بالتجرد، ولا ينبغي أن نتصور أن ذلك قبل مقابلته للشيوخ مطلقًا، ولا أن ذلك كان يحصل من صبيٍّ في عامه الخامس عشر كما يتصور بعض من ترجم له، فأي مالٍ ذلك الذي يخرج منه صبيٌّ في ذلك العمر!
إنَّ تتبع لقاءات ابن العربي بمن ذكرهم من الشيوخ في هذه الفترة يفيد القارئ معارفَ وأصولا مما ينبغي معرفته لكل طالبٍ، كما يدل على علو كعبه في الطريق أيضًا، إلا أن ذكره لفضائلهم وأفضالهم، ونعته لكُلٍّ منهم بالشيخوخة لا يعني أكثر مما ذكره من الفوائد التي تلقاها عنهم، ولذا فلا يلزمنا في هذا المقال أن نذكرهم جميعًا، وللقارئ أن يرجع في هذا الشأن إلى كتابه روح القدس، وكتابه مختصر الدرة الفاخرة فيمن انتفعت بهم في طريق الآخرة، وكذا ما ذكره عنهم في فتوحاته وغيره من تصانيفه، غير أنه من بين عددٍ غير قليلٍ من الشيوخ يخبرنا ابن العربي أنه لم ينتفع بأحدٍ مثلما انتفع به، ألا وهو أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي، صاحب أبي مدين، يقول ابن العربي: “جُل ما أنا فيه ببركته وبركة أبي محمد المُرَوْرَوي، أوَّل مسألةٍ ألقاها علَيَّ في أول ساعةٍ رأيته فيها وقد أقبلَ عليَّ بكُليَّتِهِ أنْ قال: ما الذنب الذي يأتيه المارُ بين يدَيِّ المصلي حتى يوَد أن يقف أربعين خريف؟ فأجبته على ذلك على حد ما وقع لي، فَسُرَّ بذلك، ولمَّ صحبتُه لم أكُن قط أدري لفظةَ التصوف على ماذا تنطلق، ولا رأيت كتابًا في التصوف، كنت إذا قعدتُ بين يديه وبين يدي غيره من شيوخنا أرتعد مثل الورقة في يوم الريح الشديد”.
يتضح من النص السابق أن صحبة ابن العربي للشيوخ حتى ذلك الوقت لم تكن على طريقة الصوفية، إذ لم يكن يعرف حقيقة ما تنطلق عليه لفظة التصوف، فكانت صحبته لأبي يعقوب يوسف الكومي بداية تعرفه على طريقة القوم، وقد ذكر ذلك في فتوحاته موضحًا أن المريد صاحب التربية يكون له شيخٌ قد أهَّله وخَصَّه بِذِكرٍ مخصوصٍ لنيل حالةٍ مخصوصةٍ أو مقامٍ مخصوصٍ، وقد ذكر ذلك في كلامٍ ليس غرضنا نقله بكامله في هذا المقال، غير أنه قال فيه: وهذا مذهب شيخنا أبي يعقوب يوسف بن يخلف الكومي، وما راضني أحدٌ من مشايخي سواه، فانتفعتُ به في الرياضة، وانتفع بي في مواجيده، فكان لي تلميذا وأستاذا، وكنتُ له مثل ذلك، وكان الناسُ يعجبون من ذلك، ولا يعرفُ واحدٌ منهم سببًا لذلك، وذلك سنة 586 هـ، فإنه كان قد تقدَّمَ فتحي على رياضتي، وهو مقامٌ خَطِرٌ، فأفاء اللهُ علَيَّ بتحصيل الرياضةِ على يدِ الشيخ، جزاه اللهُ عني خيرًا”.
ستة أعوامٍ مضت بين لحظة رجوع ابن عربي إلى طريق الحق تعالى وانجذابه إليه، وبين سلوكه طريقة الرياضة بعد أن تعرَّف على طريقة السادة الصوفية رضوان الله عليهم، وقد قابل في هذه الأعوام الستة عددًا غير قليلٍ من الشيوخ، أكثرهم مِن أهل التجريد والسياحة، أصحاب المقامات والأحوال، لم يدعوه أحدٌ منهم إلى طريقته الخاصة، بل أفادوه على قدر إقباله عليهم وطلبه منهم، حتى مَنَّ الله عليه بطريقة التكميل، فأخذ عن أبي يعقوب أذكارً ورياضات كمُلَ بها طريقه واجتمع له ما ينبغي من نتائج الفتح والرياضة، أو بتعبيرٍ أخر، خلاصة الجذب والسلوك.
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
