الحمد لله بالحمد الأتم، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وبعد،
لما كانت معرفة الحق تعالى لا تتحصل بالفكر، وغاية أهل النظر إن صح نظرهم التسليم بوجود خالقٍ مُدبِّرٍ للعالَمِ، كان العلم بأسماء الله تعالى أقرب الوسائل إلى معرفته، غير أن تمام العلم بها يلزمه تنزيه الحق تعالى المسمى بالأسماء عن ملابسة معاني الحدوث له، ولا يكون ذلك إلا بأن يرتاض العبد نفسه بالتجريد.
فإن لكل شيء ظاهرٌ وباطنٌ، فمن عبر من ظاهر الشيء إلى باطنه، صار الباطن له ظاهرًا، والأسماء كذلك، وهي آياتٌ ذوات ظاهر، وباطن وحَدٌّ ومطلعٌ.
ولا تتم معرفة الشيء إلا بمعرفة بسائطه التي تركبت منها صورته، ولذا نظر أهل هذه الطريقة ممن يطلب دقائق العلم بالله إلى الحروف من كونها بسائط الأسماء، بل نظروا إلى بسائط الحروف، ومراتبها وأعدادها وطبائعها، وغير ذلك من أسرار الله في خلقه، فإن الحروف من خلق الله، وهي أفرادٌ وأزواج، وأجسادٌ وأرواحٌ ونفوسٌ وعقول تسبح بحمد الله.
ولكل كونٍ مراتبٌ وجودية، فكان للحروف وجودٌ في عينه، ووجود في الرقم وهو الكتابة، ووجودٌ في اللفظ، ووجودٌ في الذهن، وكل هذا معلومٌ لمن نظر في كلام العلماء بالله، بل ينبغي أن يكون معلوما بالبديهة لكل عاقل.
فلا تظن أيها الحبيب أن الحروف عند القوم هي تلك الأصوات فحسب، فإن لكل أهل فنٍّ معانٍ يصطلحون عليها، ويكون علمك بمقاصدهم على قدر ما لديك من معرفة باصطلاحهم.
وفي هذا المقال مدخلٌ يتسع لنظرك في ذلك العلم الذي هو علم الأولياء، ومن ذلك أن الحروف عندهم ثمانية وأربعون حرفًا وأقسامها كما يلي:
سبعة نورانية وهي الصفات:
الحياة، العلم، الإرادة، القدرة، السمع، البصر، الكلام.
وإثنا عشر روحانية وهي القوى: روح السمع، روح البصر، روح الشم، روح الذوق، روح اللمس، روح الفكر، روح الخيال، روح الوهم أو التصوير، روح التدبير، روح التشكيل، روح الحفظ، روح التصريف.
وتسعة وعشرون حرفا جسمانية وهي حروف الكلمات، فالحروف النورانية تمد الحروف الروحانية، والروحانية تمد الجسمانية، وبسر ذلك السريان تظهر الأثار.
ثم إن الحروف النورانية تتنزل إلى أفلاك السماوات وكل حرفٍ يمد سماءً، فكان حرف الحياة لسماء القمر، وحرف العلم لسماء الزهرة، وحرف الإرادة لسماء عطارد، وحرف القدرة لسماء المشترى، وحرف السمع لسماء الشمس، وحرف البصر لسماء المريخ، وحرف الكلام لسماء زحل.
وإطلاقهم اسم الحرف على تلك الحقائق مجازيٌّ، إذ الحرف عندهم ما دل على شيء لا يدل عليه غير ذلك الدال من جنسه، وحقيقة تلك الحروف النورانية واحدةٌ تتكثر في الإدراك لا في ذاتها فإنها صفات الواحد الأحد جل شأنه، فهي حروف نورانية من حيث تنزلها في الأفلاك، وعن دورانها تحدث الكلمات، قال تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾ [الكهف: 109].
فإذا علمت ذلك فاعلم أن الأثار تحدث في الحروف الروحانية، وهي للحروف الجسمانية كالأبراج للسماوات والأرض وما بينهما، فعن تلك الحروف الروحانية تصدر المعاني، وفي معرفة ذلك راحةٌ للعاني، وهذا علمٌ لا يحصل بالأماني، ولا يحصله المتواني، والله يرزق بغير حساب.
أيمن حمدي الأكبري
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

جزاكم الله خيرا وبارك الله فيك شيخنا الفاضل
رضوان الله الاتم عليكم سيدي
جزاكم الله خيرا
رضي الله عنكم وأرضاكم يا مولانا