الحمد لله، وبعد
قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [الإسراء: 44].
هذا تسبيحٌ حقيقي لا مجازي، ولذا فلا يفقهه كل أحد، بل خفي على أكثر الناس أن لكل شيء معرفةٍ بربه، لولا تلك المعرفة لما سبَّحَ الشيءُ ربَّهُ.
وكلامنا عن علم الأولياء، وهو علم الحروف، وإنما طلبوا العلم بها لكونها الأفصح لسانا، فإن الله تعالى قد أودع فيها بالقوة حمل المعاني، وفيها بالفعل العبارة عنها بكل لغةٍ ولسان، وأصل تركيب الحروف للعبارة إنما هو الأسماء، ثم يكون الاشتقاق منها.
وقد أشرنا في مدخلٍ سابقٍ إلى الحروف النورانية؛ أعني فيض أنوار أمهات الصفات، وأن إطلاق اسم الحروف عليها بطريق المجاز، فإنها معجمة عن الأفهام، وليست الصفات حروفًا، بل أنوارها المفاضة على الأكوان، إذ لولاها ما كان لكونٍ حياةٌ، ولا عِلْمٌ، ولا إرادةٌ، ولا قُدرةٌ، ولا سَمْعٍ، ولا بَصَرٍ، ولا كلام، ومن هذه الحيثية فهي مثال حروفٍ الكلام، إذ عنها تكونت الأكوان، وحدثت الأثار، والأكوان كلمات الله التي لا تنفد.
وما تكثرت الصفات إلا من جهة إدراكات القوابل، وإلا فهي فيض الذات، وعلى هذا المثال الأجل، خلق الله الحروف الروحانية والجسمانية، فالجسمانية منصوبةٌ للدلالة، ألا ترى الحروف كلها صدرت عن الألف الذي هو النفَس الساري، وإنما تميزت الحروف بمرورها على المخارج، كذلك الحروف الروحانية الإثنا عشر، وهي في العالَمُ حقائقٌ، وفي أكوانه أرواحٌ وقوى، وكمالها في الإنسان، إذ بها يكون إدراكه، وهي منه كالفلك المحيط بالسماوات والأرض، ونذكرها مرةً أخرى لمن أراد أن يمعن النظر فيما نرمي إليه، وسوف يتفصل في حينه، وهي:
إثنا عشر روحانية وهي هذه القوى: روح السمع، روح البصر، روح الشم، روح الذوق، روح اللمس، روح الفكر، روح الخيال، روح الوهم أو التصوير، روح التدبير، روح التشكيل، روح الحفظ، روح التصريف.
وقد علمنا تنزل الصفات في السبع سماوات أنوارا، كما شهدنا إحاطتها بالعرش أسرارا، فهي صفات الحق المحيط، وأنوارها روحُ حياةِ كل مُرَكَّبٍ وبسيط.
فالحروف النورانية تمد الحروف الروحانية، وفي الروحانية تحدث الأثار، ولا تحسب أن الحروف النورانية المذكورة ههنا، عين الحروف النورانية التي هي نصف الحروف الجسمانية، فإنهم قصدوا بها الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية، وسموها نورانية لشرف البدء بها في السور المشهورة، وسموها علوية أيضا لأسرارٍ سترها الله تعالى عن أكثر الناس، وليس هذا موضع الكلام فيها.
فنرجع إلى الحروف الجسمانية فإنها قوالب لأرواحٍ حرفية أسكنها الله في المنازل الثمانية والعشرين، جعل لكل منزلةٍ حرفا، تظهر أثار ذلك الحرف فيما دونه من الأفلاك عند حركة الكواكب، وأظهرُ ما تكون الأثار في الأرض بسير القمر في المنازل، وجعل سبحانه ليلة سرار القمر لحرف لام ألف، وهو حرفٌ واحد عليه مدار التوحيد، فقال رب العزة في الحديث القدسي: (لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمنَ مِنْ عذابي).
وأعني بقولي : الحروف الجسمانية قوالب الأرواح الحرفية، أن الجسمانية عبارة عن الحروف اللفظية، والرقمية، والذهنية، أما أرواحها فهي تلك الأرواح التي أسكنها الله فلك المنازل، وهي على مراتب، ومن هنا اعتبر هذا الفن الحروف أجسام، وأعدادها أرواحها، إذ دلت أعدادها على مراتبها التي أقامها الله فيها، قال تعالى حاكيًا عن الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ﴾ [الصافات: 164] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ﴾ [مريم: 64]، فلهم المُقامُ في المقام، ولهم التنزل في الصور اللطيفة والكثيفة، كما دل عليه الشرع الشريف.
كذلك تتنزل الحروف في الصور المتولدة في الهواء، والألواح، والأذهان، وتبرز للمدارك في صور أرواح المعاني، فلا تخفى أثارها.
وقد أبرزت في هذا المقال صورًا للحروف هي مُثُلٌ لأبوابٍ من دخل منها اطلع على ما ستر الصوفية من أهل هذا الفن، وراء تلك الأبواب في غرف وخزائن
اتخذوها صيانة لهذا العلم الشريف، وغيرةً عليه أن يطلع عليه غير المتقين، فإن للحروف أسرارٌ أودعها الله في أصل جبلتها، وجعلها أسبابا لما شاء أن يُظهر عنها من الأثار، فمن طلب مسبب الأسباب، لا يحجبه حجاب، والله من وراء القصد، لا رب غيره.
أيمن حمدي الأكبري
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رضى الله عنكم يا سيدى ، ربنا يرزقنا الفهم ♥️
ما شاء الله نفعنا الله بعلومكم
جزاكم الله خيرا
بارك الله فيكم ونفع بكم وبعلومكم في الدارين
بارك الله فيكم