تخطى إلى المحتوى

مدخل إلى علم الأولياء (3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رسول الله وعلى آله، ومن تبعه ووالاه، وبعد،

قال الله تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ﴾ [الأنعام: 38] ، وقال جل شأنه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا﴾ [الإسراء: 82]

فهذا كتاب الله تعالى ناطقٌ بكل شيء، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: “لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى”.

وعِلم ما في كتاب الله علمٌ عزيز، والعالمون بالقرآن سوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على مراتب، فمنهم مَنْ رُتبتُهُ التفسير، ومنهم مَنْ رُتبتُهُ التأويل، ومنهم مَنْ رُتبتُهُ الفهم عن الله تعالى، وهم الخاصة من الأولياء الربانيين.

وفي حكاية آصف بن برخيا وزير نبي الله سليمان عليه السلام ما يهدي العقول إلى ما أقول، فانظر إلى قول الله تعالى: ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ ﴾ [النمل: 40]، وأتى بعرش بلقيس بعلم عنده من الكتاب المنزل على نبي زمانه، فما بالك بالكتاب المحفوظ الذي ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾ [فصلت: 42]، وليس كلامي في علم الأولياء إلا تنبيهًا لما أودع الله في كل كونٍ عظُم أو دَقَّ مِن الأسرار والخواص، وإنما نضرب مثلا بعلم الحروف من كونها بسائط الكلام، فإن الكلام ينطوي على كلِّ كونٍ وإسمٍ ومسمى، ولا شك أن ما يبرز عن الكلام بالفعل، فهو موجودٌ في الحروف بالقوة، وأعني بالفعل، فعل التركيب، وبالقوة الكمون، أو السر المودع في الحرف، وقد بيننا ما نقصد بالحروف في مقالات سابقةٍ، فكشفنا النقاب عن اصطلاح أهل هذا الشأن رفعا للالتباس، ودفعا للوسواس، ومَنْ شاهد الباب، لم تحجبه الأسباب.

واعلم أن الحروف جوامع الكلم من هذا الوجه، ولذا طلب خاصة أهل الله علم الحروف، وقد علمتَ الحروف النورانية، والحروف الروحانية، والحروف الجسمانية بمراتبها، فاعلم أنها ظروفٌ لأعيان الحروف التي أسكنها الله المنازل، ولا يخفى على العاقل تأثير الأعلى في الأسفل بالاستيلاء أو التنزل، كما لا يخفى تأثير الأدنى في الأعلى بالاستنزال، ألا ترى إلى الملك القوي يمشي على أربعة ليركبه طفله الصغير، ويترك ما لديه من المهمات ليجلب له الطبيب إن اشتكى ألمًا.

كذلك فإن للحروف الجسمانية أسرارٌ وخواصٌ، ورقائق ممتدة إلى الأكوان، من عرفها حرك تلك الأكوان بالحروف متى كملت لديه حتى صارت مساقط أشعة أنوار حروف المنازل، ولا يكون ذلك إلا بعلمٍ وعملٍ يصح بهما التوجه الوجداني من التالي للحروف، وإن شئتَ قُلت لدعواتها، فإن لكل حرفٍ دعاء، ودعوات على اختلاف الألسن واللغات.

واعلم أن علم الحرف علومٌ جمة، كعلم طبائع الحروف، وعلم مراتب الحروف، وعلم تركيب الحروف اللفظية والرقمية، وغير ذلك من العلوم التي لا ينبغي للسالك الصادق أن يطلبها في الأوراق، فإنها من علوم الوهب، وإن تكلم بعض العلماء في مبادئها، فإن علوم النحو والصرف والحساب والهندسة والطبيعة والفلك وغير ذلك من العلم إنما هي لعلم الحروف كالآلات، فلا تصح معرفة علم الحرف إلا بها، وهي مما يُتعلم من الكتب بإرشاد الأستاذ الحاذق، أو بذكاء المريد الصادق.

وإنما نبهت إلى حفظ الوقت والجهد بعدم طلب علم الأولياء من الكتب، على كثرة ما صنفوا فيه لأمورٍ غير ما أشرت إليه من أمر الوهب والإلقاء والإلهام، ومنها أن القوم أمناء على الأسرار وإن خافوا ضياع العلوم فقيدوها، ولذا لغزوا ورمزوا واصطلحوا على ألفاظ تجري على غير معانيها عند العوام، فمن ذلك قولهم: حرف كذا يفعل كذا وكذا، فإنهم لم يقصدوا الحرف أصلا، بل الحرف عندهم لا يفعل منفردًا، وإن رأيت ذلك بعيني رأسك فسل عن أي حرفٍ ظهر الأثر؟ هل عن الحرف الملفوظ، أم المكتوب، أم المتخيَّل، وهل أدركت شيئا من التوجه الوجداني للافظ أو الكاتب.

واعلم أن كل بسيطٍ فإن أثره أخفى، وإن كان فيه ما فيه من السر، وللتركيب أسرارٌ أُخر، ألا ترى لفظ “حسن” إذا قدَّمتَ نونه صار “نحسًا“.

ومن ذلك أيضًا ما ذكروه في علم طبائع الحروف وما يجده المطالع لكلامهم من الاختلاف، وإن كان ما ثَم خلاف، فإن لأهل هذا الفن مذاهب في طبائع الحروف، فمنهم من اتخذ في معرفة طبائع الحروف مذهب حكماء الهند، ومنهم من تابع حكماء اليونان، أو النبط، أو غيرهم، وقد وضعوا جدولًا لطبائع الحروف، فجعلوا للنار أهطمفشذ، وللتراب بوينصتض، وللهواء جزكسقثظ، وللماء دحلعرخغ، ومنهم من جعل الباء وما تحتها للهواء، والجيم وما تحتها للماء، والدال وما تحتها للتراب، وهذا الترتيب للمشارقة، وخالفهم المغاربة في ستة حروف، ولا خلاف، فإن أهل هذا الفن يعملون بالمشرقي في استنزال الأنوار، وبالمغربي في استخراج الأسرار، ولست بشارحٍ مذاهبهم في ذلك، ولكن غرضي الدوران على ما نبهت إليه طلبا للراحة، وحفظا للمريد من حصول الالتباس، فإن هذه الجداول فيها أغلاط، لعلهم قصدوا وضعها صيانةً للأسرار.

ومن أهل هذا الفن من جعل حروف النار عشرة حروف وهي: أ ي ق غ ه ن ث ط ص ظ، وحروف الهواء ستة حروف وهي: ج ل ش ز ع ذ، وحروف الماء ستة ب ك ر و س خ، وحروف التراب ستة أيضا وهي: د م ت ح ف ض.

ومنهم من جعل للنار سبعة حروف: أ ج ذ ش ظ ق ن، وللهواء سبعة هي: ب خ ر ص ع ك ه، وللماء سبعة: ت خ ز ض غ ل و، وللتراب سبعة أيضا: ت د س ط ف م ي.

وهذا بحساب الحروف المزدوجة المشرقية، ولهم في الحروف المزدوجة المغربية ترتيبٌ خلاف ذلك.

وليس هذا الاختلاف إلا بحسب ما قصدته كل طائفة من العلوم الحرفية، فإن منهم من يعمل بالأوفاق، ومنهم من يعمل بالطلسمات، ومنهم من يعمل بالاستنزال، ومنهم من يتقوى بروحانيات النجوم، وعن ذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقوله: “من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد“. او كما قال صلى الله عليه وسلم.

أما الأولياء فدورانهم في فلك الأذكار، فمنهم يتوجه بالدعاء، ومنهم من يتوجه بالآيات، ومنه من يتوجه بالأسماء، ومنهم من يتوجه بالحروف، ولا تنحصر التوجهات، فلنقف عند هذا الحد، وليس وراء الله مرمى لرامٍ.

أيمن حمدي الأكبري


اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 فكرتين بشأن “مدخل إلى علم الأولياء (3)”

  1. سبحانك الله جل جلالك وتقدست حروفك وكلماتك
    صدقتم سيدي أيمن حينما قلتم
    تقدس الحرف ما أدراك ما الحرف

اترك تعليقك

اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading