الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه ومن والاه، وبعد
فإن مَن زاحم أهل الدنيا عليها وهو يعلم أن الله خالقه ورازقه وحافظه، فقد خسر الخسران المبين، ومن هاجر عمَّا أقامه الله فيه من مواطن الاكتساب بصنعةٍ، أو فنٍّ أو تجارةٍ أو زراعةٍ أو طلب علمٍ، وزاحم أهل الله في موطن علم الأولياء، لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها، فقد أضاع الدنيا والدين.
قال تعالى: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ ﴾ [البقرة: 282] ، فاشكر الله على ما وصل إليك من العلم دون تعب، ولا تشقى بخوض الفكر فيما لحروف الأكوان من الأسرار التي هي وراء أطوار إدراك العقول بأفكارها، واحمده تعالى حمد الحامدين الشاكرين أن وهب عقلك سر قبول ما وصل إليك حين فراغ بالك، مما لا تصل إليه بكسبك.
ولا تعجب من كلامهم في علم الأولياء، بل اجعله مفاتيح معرفة الأسماء، فإنها سر خلافة آدم عليه السلام.
ولا تحسب أن الأسماء تفتح خزائنها بما تعلمه من الحروف، بل مفاتيحها التبري من الحول والقوة، إنما تفتح بعلمك الحروف أبوابَ فهمك وتلقيك، فإن تخلقت بأخلاق الاسم بعد التعلق بجلال تعاليه، والتحقق بلطيف معانيه، صرت مَظهرا له بما خلع عليك الحق تعالى من كسوته، عزَّت حقيقته أن يتصف بها سواه، فحينئذٍ تصير مفتاحا لخزائن عوالم ذلك الاسم التي في حيطته وتحت أحكامه، فيفتح بك الله لك ولمن شاء من عباده، والله هو الفتاح العليم.
ولنضرب لك مثلا يقرب إليك ما رمزوه، فهب أنك نظرت إلى ميراث نبي الله سليمان عليه السلام، من حيث قوله تعالى حاكيا عنه: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ﴾ [ص: 35] ، فعلمت أن جُلَّ تصريفه من الاسم الوهاب، فانظر في واو الاسم إلى ولاية الأولياء، وإلى ولاية الولاة، وما ينبغي الوقوف عليه من أداب تلك المقامات، وانظر إلى سر الواحدية والوحدة، وإلى سريان أنوار اسم الواجد، وما الذي إن تحققت به يجعل الله لك ودا، واجعل تلك العبارات إشارات إلى بشارات، ثم انظر إلى هاء الهداية، واعلم رتبة الهاء، وما لها من الحفظ، واحفظ قلبك الذي هو غيبك، وانظر إلى تأخر باء الأسباب في الاسم الوهاب، وانظر الى باء البقاء، والبراءة من كل داء، واعلم أن السر في الدعاء، فإن الحروف خلْقٌ كسائر الخلق، وأن الحرف يسبح بحمد ربه، ويشكره على ما أودع فيه من أسرار التصريف، وما جعله به مجلى لأسمائه، كما علمت ذلك في أرواح الحروف التي أسكنها الله المنازل، وأن الحروف الجسمانية صور رموز الحروف العلية، فاجعل شهودك لما يتجلى لك في المجالي، واطلب من العلم به المزيد، فهو سبحانه الفعال لما يريد، فإن التصريف بحسب التعريف، ومن لا علم له، لا روح لعمله.
فالدعاء الدعاء، عسى أن ينتقش في لوح حسك معانيه، فتجدك من أخصِّ مغانيه، فإن أقمت توجهك الوجداني بما أشرت لك إليه، فاشكر الله تعالى، واعتمد عليه، والله من وراء القصد، لا رب غيره.
أيمن حمدي الأكبري
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الله الله الله …