تخطى إلى المحتوى

مولد الشيخ الأكبر

كُلُّ عامٍ، وفي مثل هذه الأيام المباركة، مِن هذا الشهر المبارك؛ شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، نحتفل سوِيًّا بذكرى مولدِ الشيخ الأكبر محمد بن علي بن أحمد ابن العربي، والذي قد اشتهر بين الناس بمحيي الدين ابن عربي بحذف الألف واللام للتخفيف، وقد وُلد رضي الله عنه في السابع عشر من رمضان سنة خمسمائة وستون من الهجرة النبوية، في مدينة مُرسية بالأندلس.

إنَّ الكلام عن شخصية ابن العربي، أو سيرته قد يحتاج إلى كتابٍ كبيرٍ، ولكن لا بأس من الإيجاز في هذا المقال لكون الغرض منه التذكير بمناسبة مولده رضي الله عنه من وجهٍ، والتنبيه على بعض ما ينتفع به القارئ من وجهٍ آخر.

ولعل حادثة لقاء ابن العربي بفيلسوف الأندلس ابن رشد من أشهر الحوادث التي يعرفها المهتمون بهذا الشأن، غير أن ثَّم التباس قد حصلَ عند بعض من ترجم للشيخ الأكبر معتمدًا على ما فهمه مما حكاه عن هذا اللقاء الذي جاء فيه: “ولقد دخلت يوماً بقرطبة على قاضيها أبي الوليد ابن رشد وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به عليّ في خلوتي، فكان يُظهر التعجّب مما سمع فبعثني والدي إليه في حاجةٍ قصداً منه حتى يجتمع بي؛ فإنه كان من أصدقائه وأنا صبيّ ما بقل وجهي ولا طرّ شاربي”، فقد تصوَّر أكثر الباحثين الذين تناولوا هذا النصَّ أنَّ ابن العربي كان لم يبقل وجهه ولا طَرَّ شاربه حين أرسله والده من أشبيلية إلى قرطبة لمقابلة ابن رشد، بينما الواضح في كلامه أن ثَّم صداقة كانت بين والده وابن رشد زمن إقامة الأخير في أشبيلية؛ وأنه يعرف ابن صاحبه منذ ذلك الحين الذي حيث كان صبيًّا لم يبقل وجهه، وقد نبَّهْنا في مقالٍ سابقٍ إلى أن ابن رشد قد تولى قضاء قرطبة سنة 578 هـ، مما يعني أن عمر محيي الدين كان ثمانية عشر سنة حين انتقل ابن رشد إلى قرطبة، وأن اللقاء المشار إليه كان بعد هذا التاريخ بلا ريب، أي بعد ترك ابن العربي العمل بالجندية، ودخوله إلى الخلوةِ، وحصول الفتح الأول الذي دفعه إلى الكلام في علومٍ أدرك أبوه أنه لم يحصلها بالدرس، فلجأ إلى صديقه الطبيب الفيلسوف ابن رشد لتفسير تلك الحالة التي لاحظها على ابنه، ثم بعثه إليه في حاجةٍ بحسب حكاية ابن العربي نفسه.

أمرٌ أخر أحب أن أنبِّه إليه ونحن نحتفل بقطبٍ كبير من أقطاب التصوف، ألا وهو التعريف بالتصوف الذي ارتضاه ابن العربي نفسه، حيث قد يتصور بعض الناس أن الشيخ الأكبر كان يعيش حياة الصوفية منذ فتح الله عليه في تلك الخلوة الأولى، التي أرجح أنها كانت في سنة 580 هـ، فور تركه حياة الجندية، وبخاصةٍ أنه حكى عن تعرفه على أول شيوخه الشيخ أبي العباس العُريبي، وقد كان من أكابر العارفين، مما قد ينبني عليه أن تلك الصحبة كانت على طريقة الصوفية، وهذا ما لم يقل به الشيخ الأكبر نفسه، لا مع العريبي، ولا مع غيره من أكابر العارفين الذين أخذ عنهم بعض المنافع منذ ذلك العام، وفي الأعوام التي تليه.

ثمَّ حكاية ذكرها ابن العربي عن أحد شيوخه وهو أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي، صاحب أبي مدين، حيث يقول ابن العربي: “جُل ما أنا فيه ببركته وبركة أبي محمد المُرَوْرَوي، أوَّل مسألةٍ ألقاها علَيَّ في أول ساعةٍ رأيته فيها وقد أقبلَ عليَّ بكُليَّتِهِ أنْ قال: ما الذنب الذي يأتيه المارُ بين يدَيِّ المصلي حتى يوَد أن يقف أربعين خريف؟ فأجبته على ذلك على حد ما وقع لي، فَسُرَّ بذلك، ولمّا صحبتُه لم أكُن قط أدري لفظةَ التصوف على ماذا تنطلق، ولا رأيت كتابًا في التصوف”، وقد كان أول لقاء بينهما سنة 586 ه، وهو أول مَن عرَّفه على رياضات الصوفية ومجاهداتهم، فإن التصوفَ عبارة عن طريق الإرادة والتربية، وبحسب ابن العربي: “فالمريد صاحب التربية يكون الشيخُ قد أهَّلَهُ وخصَّهُ بِذِكرٍ مخصوصٍ لنيلِ حالةٍ مخصوصةٍ ومقامٍ مخصوصٍ”.

فالحاصلُ أن دخول ابن العربي إلى طريق الله كان عن جذبةٍ، ولا يعني ذلك أن ما قبل الجذبة كان مِن أحوال البعد عن الله، فقد كان ابن العربي قد حفظ القرآن صبيَّا، كما لا يعني ذلك أيضًا أن ثمَّ تلازمًا بين ما تلقاه في الخلوة من العلوم وبين سلوكه طريق الصوفية، فإنَّ العبد إذا ألزم نفسه بالمجاهدات قد يفتح الله عليه في طريق الروحانية، وهو مقامٌ خطيرٌ لا ينجو منه كل أحدٍ إلا فيما ندَرَ، أما التصوف فعبارة عن التسليم للشيخ المربي حتى يتخلص المريد من رعونات النفس وعللها، وهذا ما أكدَ عليه ابن العربي، ومن سبقه من الأكابر، ومن جاء بعده أيضًا من لزوم صحبة الشيخ المربي، حتى قيل: ” من ليس له شيخ فشيخه الشيطان”، ويقصدون؛ من لم يتخذ شيخًا في هذا الطريق الروحاني، فيُخاف عليه من تمثل الشيطان له في خلوته، بحيث يلقي إليه ما يميل به عن طريق الحق تعالى دون شعورٍ منه، بأن يلقي له الأمر الذي ظاهره حق، ثم يلبس عليه بأمرٍ لا ينتبه إليه، كالمغالاة وغيرها.

إن الاحتفاء بالشيخ الأكبر رضي الله عنه ينبغي أن يفتح أمامنا آفاق التعرف على التصوف الحق، ذلك المنهج الذي بات العالم يفتقر إليه في زمانٍ طغى فيه التطرفَ في كل اتجاه، فمن التطرف المادي، إلى التطرف الديني، ومِن التعلق بما هو فانٍ، إلى الهروب من الماديات دون ذوقٍ يعصم الفرد مِن التعصب للرأي، ويحفظ المجتمع من دعاوى التكفير، تلك الظواهر التي تجعل نهضة الأمة في إحياء التصوف الحق، تصوف العلماء العارفين المتقين كابن العربي، والشاذلي، والجيلاني، والرفاعي، والبدوي، والدسوقي، وغيرهم ممن أحيا كل دارسٍ من الأخلاق، وأبرز كل نافعٍ مِن علوم الأسرار والأذواق، ممن نحتاج إلى ديوانٍ كبير لذِكر أسمائهم، فما بالك بمناقبهم ومآثرهم، فرضي الله عنهم جميعًا، ووفق دعاة التصوف إلى بيان صحيحه، والدفاع عنه ببيان ما لا ينبغي أن يشوبه من النقائص التي غالبا ما تحصل عن جهل وغفلة.

نسأل الله تعالى أن يعلي شأن المسلمين برفع راية الإسلام، والسلام.


اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading