بسم الله الرحمن الرحيم
الشَّيْءُ شَيْئانِ مَعْدُومٌ وَمَوْجُودُ *** إِذْ هَكَذا قَدْ بَدا وَأَنْبَأَ الْجُودُ
فَالشَّيْءُ قَدْ كانَ تَعْني عِنْدَنا سَلَفًا *** أَوْ آنِفًا أَنَّهُ فِي الْكَوْنِ مَشْهُودُ
فَانْظُرْ لِشَيْئِيَّةٍ فِي الْكَوْنِ ما ظَهَرَتْ *** وَاعْلَمْ بِأَنَّ الَّذِي بِالْخَيْرِ مَمْدُودُ
فَإِنْ بَدا ما بَدا وَالْحُسْنُ مَظْهَرُهُ *** فَالْحَقُّ فِي الْخَلْقِ مَشْهُودٌ وَمَوْرُودُ
وَإِنْ بَدا ما بَدا وَالْقُبْحُ مَنْظَرُهُ *** فَهَكَذا الْأَعْمالُ مَقْبُولٌ وَمَرْدُودُ
بَلْ كُلُّ وَجْهٍ بَدا مِنْ حَيْثُ قابِلُهُ *** وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ فِي السِّرِّ تَوْحِيدُ
فَاجْعَلْ إِرادَةَ وَجْهِ اللهِ فِي عَمَلٍ *** وَلا عَلَيْكَ فَخَلْقُ الْفِعْلِ تَجْدِيدُ
أَمَّا الْإِرادَةُ مِنْ رَبِّي فَغايَتُها *** جُودٌ عَلَى الشَّيْءِ، مَعْدُومٌ فَمَوْجُودُ
قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (يس: ٨٢)، فَأَشَارَ سُبْحَانَهُ بِــ«هاءِ» «لَهُ» إِلَى الشَّيْءِ قَبْلَ إِيجَادِهِ، وَهِيَ المُسَمَّاةُ بـِـ«شِيئيَّةِ المَعْدُومِ المُمْكِنِ»، فَهَذِهِ الشَّيْئِيَّةُ المَعْدُومَةُ فِي الْعَالَمِ، المَشهودَةُ لِلْحَقِّ تعالى فِي عِلمِهِ القَديمِ، والمُسَمَّاةُ بِــ«العَيْنِ الثَّابِتَةِ»، وَيُطلَقُ على جَمْعِها في اصْطِلاحِ أهلِ هذا الفَنِّ «الأعيانُ الثَّابِتَةُ»؛ وهيَ عِبارةٌ عَنْ: مَعْلُومَاتِ عِلمِ اللهِ القَديمِ، وهيَ عَيْنُ ما تَوَجَّهَتْ عليهِ إرادتُهُ سُبحانَهُ بِفَيْضِ نورِ وُجودِهِ مِنْ عَيْنِ جُودِهِ، أَعنِي تَجَلِّيَهُ بِوُجودِهِ لِحَقيقةِ مَوْجُودِهِ، ذلكَ التَّجَلِّي الَّذِي نَفَّسَ بهِ عَنْ مَعْلُومَاتِ عِلمِهِ القَديمِ، فَلَمَّا تَجَلَّى بِصِفَةِ عِلمِهِ تعالى انتَقَشَتْ صُوَرُ مَعلوماتِ عِلمِهِ القَديمِ، المُسَمَّاةُ بــ «الأعيانِ الثَّابِتَةِ»، في مِرآةِ النَّفَسِ الرَّحمانيِّ، فَلَمْ تَزُلْ عَنْ ثُبوتِها في حَضرةِ عِلمِهِ القَديمِ.
ثُمَّ إنَّهُ تعالى تَجَلَّى بِصِفَةِ إرادتِهِ مُتَوَجِّهًا على ما انتَقَشَ مِنْ صُوَرِ «الأعيانِ الثَّابِتَةِ»، فَكَانَ خُروجُها مِنْ ظُلمةِ عَدمِها إلى نورِ وُجودِهِ، بِفَيْضِ جُودِهِ.
وَلِذَا قالَ الشَّيْخُ الأَكْبَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنَّ الإِرادَةَ لا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَعْدُومٍ لِإيجادِهِ، ثُمَّ يَكُونُ إِبْرازُهُ بِحَسَبِ تَوَجُّهِ القُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ انْتِقاشُ صُورَةِ مَعْلُومِيَّتِهِ فِي مادَّةِ الإِمْكانِ، المُسَمَّاةِ بِالْعَماءِ كَما سَوْفَ يَتَّضِحُ لَنا فِيما بَعْدُ».
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يُحَصِّلَ عِلْمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ العَقْلِيِّ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مِثالِهِ فِي كُلِّ شَخْصٍ يُرِيدُ إِبْرازَ شَيْءٍ، فَهَذا البُروزُ عِنْدَنا قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الفِكْرُ بِانْتِقالِ الشَّيْءِ مِنْ حالِ وُجُودِهِ بِالقُوَّةِ فِي عَقْلٍ أَوْ عِلْمِ الشَّخْصِ مِنَّا، إِلَى حالِ وُجُودِهِ بِالفِعْلِ أَوْ تَعَيُّنِهِ.
فَلا بُدَّ إِذًا -لِبُروزِ الشَّيْءِ- مِنْ ذاتٍ لَها إِرادَةٌ وَقُدْرَةٌ، فَتَتَوَجَّهُ إِرادَةُ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلَى شَيْئِيَّةِ المَعْدُومِ المُمْكِنِ، وَهُوَ عِنْدَنا عِبارَةٌ عَنِ الصُّورَةِ المَعْقُولَةِ لا المَحْسُوسَةِ لِعَدَمِ وُجُودِها فِي عَالَمِ الحِسِّ، وَالمُعَبَّرُ عَنْها بِوُجُودِ الشَّيْءِ بِالقُوَّةِ فِي ذِهْنِ الشَّخْصِ كَما سَبَقَ وَاتَّضَحَ لَنا».
ثُمَّ تَتَوَجَّهُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْمادَّةِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ عَنْها ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّرْعُ عَنْ تِلْكَ الْمادَّةِ فِي حَقِّ الْعالَمِ بِــ «الْعَماءِ»، وَقَدْ يُسَمِّيهَا الْبَعْضُ «هَباءً»، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ الِاسْمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِلإِمامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وَأَقُولُ «مِنْ هَذَا الْوَجْهِ» أَعْنِي مِنْ وَجْهِ السَّبْقِ؛ لِكَوْنِ الْهَباءِ قَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ هُوَ وَجْهُ الْخاتِمَةِ، قَالَ تعالى: فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًّا (الواقعة: 6)،
وَهِيَ عِنْدَ الحُكَماءِ «الهَيُولَى الأُولَى»، وَلا نُطِيلُ فِي تَعْرِيفِها لِكَوْنِ القَصْدِ الأَصِيلِ فِي كَلامِنا هَاهُنا أَنْ نُوَضِّحَ أَنَّ القَصْدَ مِنْ تَوَجُّهِ الإِرادَةِ الإِلَهِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الشَّيْئِيَّةِ إِنَّما هُوَ: إِخْراجُها مِنْ ظُلْمَةِ العَدَمِ إِلَى نُورِ الوُجُودِ، لِيَتَبَيَّنَ لَنا أَنَّ أَمْرَهُ تَعالى خَيْرٌ مَحْضٌ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِــ «حَضْرَةِ الجُودِ».
وَرُبَّما احْتاجَتْ هذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِمِثالٍ نُوَضِّحُها بِهِ فَنَقُولُ: هَبْ أَنَّ شَخْصًا أَحَبَّ أَنْ يَصْنَعَ تِمْثالًا، فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِرادَتُهُ عَلَى صُورَةِ التِّمْثالِ فِي ذِهْنِهِ، وَأَنْ يُعْمِلَ تِلْكَ الإِرادَةَ فِي اخْتِيارِ الْمادَّةِ الَّتِي يَكُونُ عَنْها ذَلِكَ التِّمْثالُ، ثُمَّ يُعْمِلَ قُدْرَتَهُ فِي الْمادَّةِ لِيُبْرِزَ لَنا التِّمْثالَ.
ثُمَّ هَبْ أَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ قَصَدَ بِصِناعَةِ ذَلِكَ التِّمْثالِ أَنْ يُعْبَدَ، فَهَلْ يَمْنَعُ قَصْدُهُ ذَلِكَ الحِجارَةَ أَنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِ اللهِ؟
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (الإسراء: 44).
وَفائِدَةُ ذَلِكَ عِنْدَنا: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الخَيْرَ «جَوْهَرُ الوُجُودِ»، أَمَّا الشَّرُّ فَــ «عارِضٌ»، وَكَذَلِكَ القُبْحُ «عارِضٌ» فِي الشَّيْءِ، كَما نَجِدُ فِي كَلامِ الفُقَهاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الأَصْلَ فِي الأَحْكامِ الإِباحَةُ وَلابُدَّ لِلمَنْعِ مِنْ نَصٍّ.
فَمَنْ عَلِمَ صِحَّةَ ما تَقَدَّمَ جَعَلَ بالَهُ مَعَ خُلُوصِ إِرادَتِهِ فِي كُلِّ عَمَلٍ لِوَجْهِ اللهِ، ثُمَّ لَهُ تَعالى أَنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ العَمَلَ بِتَوْفِيقِ الشَّخْصِ، أَوْ يَحْبِسَهُ عَنْهُ إِنْ لَمْ يُرِدْ سُبْحانَهُ خَلْقَ ذَلِكَ الفِعْلِ عَنْ نَفْسِ الشَّخْصِ، أَوْ إِنْ لَمْ يُرِدْهُ مُطْلَقًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (الصافات: 96 ).
وَلْنَجْعَلْ فِي بالِنا أَيْضًا:
- أَنَّ مَنْ أَرادَ بِعَمَلِهِ خَيْرًا وَلَمْ يُوَفِّقْهُ اللهُ فِي إِبْرازِهِ، فَلَهُ أَجْرُ ما نَوَى، فَإِنْ وَفَّقَهُ سُبْحانَهُ فَنِعْمَ.
- وَأَنَّ مَنْ أَرادَ شَرًّا وَلَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ عَلَيْهِ فَقَدْ رَحِمَهُ، وَإِنْ حَصَلَ فَقَدْ خَذَلَهُ.
- وَإِنَّما يَكُونُ حِسابُ الشَّخْصِ عَلَى مُوافَقَةِ أَمْرِ اللهِ أَوْ مُخالَفَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ بَيَّنَ لَنا بِالتَّنْزِيلِ ما يَجِبُ عَلَيْنا مِنْ طاعَةِ أَمْرِهِ، وَأَخْفَى عَنَّا ما يُرِيدُ، بِحَيْثُ لا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَلا نَعْرِفُ المُوافَقَةَ أَوِ المُخالَفَةَ إِلَّا بِحَسَبِ أَمْرِهِ، وَلا يَكُونُ مِنْ إِرادَتِنا مَعَ إِرادَتِهِ إِلَّا المُصادَفَةَ، وَأَنَّ التَّوْفِيقَ وَالخِذْلانَ بِحَسَبِ إِرادَةِ الشَّخْصِ مِنَّا.
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الله يقبل عليكم بفضله ورضاه 🙏
نفعنا الله بعلمكم ورضي عنكم وأرضاكم ورضي عنا بمحبتكم وجزاكم عنا خير الجزاء
رضي الله عنكم وأرضاكم ونفعنا بكم وبعلومكم في الدارين آمين
ما شاء الله
موفقين