فـِي الـتَّـجَـلِّـي
عِلْمُ التَّجَلِّي عُلُومٌ أَعْجَزَتْ بَصَرِي
لَمَّا تَقَلَّبَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
وَلِلْبَصِيرَةِ أطْوَارٌ وَآلَتُهَا
عَيْنُ الْيَقِينِ وَجُلُّ السِّرِّ فِي الصُّوَرِ
فَكَمْ تَكَتَّمَ أقْوَامٌ وَكَمْ أجِدُ
فِي الْبَوْحِ بِالسِّرِّ عِنْدَ الْأهْلِ مِنْ أثَرِ
مَنْ لِي بِقَلْبٍ وَفِي الْأضْلَاعِ صُورَتُهُ
وَلِلْقُلُوبِ عُيُونٌ كُحْلُهَا سَهَرِي
يَا أيُّهَا الظَّانُّ كَمْ ضَيَّعْتَ مِنْ عَمَلٍ
وَكَمْ يَفُوتُكَ عِلْمُ اللَّيْلِ وَالسَّحَرِ
فَدَعْكَ مِنْ غَيْرِ تَأوِيلِي لِتَقْبِيلِي
وَانْظُرْ بِعَيْنِي لِمَا أرْجُوهُ فِي الْحَوَرِ
وَلَا تَظُنَّنَ تَرْتِيلِي لِتَقْتِيلِي
كَقْتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ النَّفْسِ فِي نَظَرِي
هَا قَدْ جَمَعْتُ لَكَ الْأسْرَارَ فِي غَزَلِي
فَاعْذِلْ كَمَا شِئْتَ إنَّ الْعِشْقَ مِنْ قَدَرِي
وَمَوْطِنُ الْعِشْقِ قَلْبٌ جَلَّ سَاكِنُهُ
وَعْيْنُ قَلْبِي بَلِ الْعَيْنَانِ لِلسُّوَرِ
وَالْعَقْلُ وَالْحِسُّ وَالْإدْرَاكُ أجْمَعُهُ
بِحِكْمَةِ الرَّبْطِ وَالتَّثْبِيتِ مِنْ دُرَرِي
فَإنْ رَضِيتَ بِمَا أبْدَيْتُ مِنْ حُبِّي
فَقَدْ تَقَصَّيْتَ مِثْلِي غَايَةَ الْحَذَرِ
فَانْعَمْ بِحِبِّكَ فِي الْحَالَيْنِ إنَّ لَنَا
فِي مَذْهَبِ الْعِشْقِ عِشْقَ الْجِيدِ وَالْخَفَرِ
الْحَمْدُ للهِ، وَبَعْدُ …
فَإِنَّ مَعْرِفَةَ التَّجَلِّي مِنْ أَجَلِّ الْمَعَارِفِ الَّتِي تُعِينُ طَالِبَ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ تَعَالَى فِي سُلُوكِهِ طَرِيقَ أَهْلِ اللهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ لَا تَتَحَصَّلُ بِفِكْرٍ، فَإِنَّهَا مِنَ الشُّهُودِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْمُجَاهَدَاتِ وَالرِّيَاضَاتِ الْمُنْتِجَةِ لِرَفْعِ الْحُجُبِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُجَاهَدَاتُ وَالرِّيَاضَاتُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَمَالُهَا عَلَى قَدْرِ عِلْمِ الْعَامِلِ بِهَا.
وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ سَادَتُنَا مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، أَصْحَابُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْوُجُودِ، فَجَاءَ كَلَامُهُمْ فِيهَا بَيْنَ تَصْرِيحٍ وَتَلْمِيحٍ غَيْرَةً عَلَى عُلُومِ الْأَسْرَارِ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَهَا كُلُّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، فَيَضِلُّ وَيُضِلُّ، فَجَعَلُوا مَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ عَلَامَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى إِذَا تَكَلَّمَ فِيهِ مُدَّعٍ بِفِكْرِهِ افْتَضَحَ أَمْرُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَذْوَاقِ.
وَقَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ مَنْ لَا يَسَعُنِي إِلَّا إِجَابَةُ سُؤْلِهِ عَنِ التَّجَلِّيَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالصِّفَاتِيَّةِ وَالْأَفْعَالِيَّةِ.
وَالْحَقُّ أَنِّي رَأَيْتُ الْغَرَضَ مِنَ السُّؤَالِ مَعْرِفَةَ اللهِ الْمُتَعَالِ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَجْعَلَ جَوَابًا عَلَيْهِ مُقَدِّمَةً تَفْتَحُ لِمَنْ وَعَى مَا أَوْدَعْتُهُ فِيهَا بَابًا إِلَى مَعْرِفَةِ مَا سَأَلَ عَنْهُ، وَآثَرْتُ أَنْ أَتْرُكَ الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِ التَّجَلِّي إِلَى حِينٍ، وَيَقِينِي أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ شَهِدَ التَّجَلِّيَاتِ فَاسْتَغْنَى عَمَّا يُعَرِّفُهَا بِحُدُودِ الْأَلْفَاظِ وَالْكَلِمَاتِ.
فَأَقُولُ وَعَلَى اللهِ الْإِعَانَةُ، وَمِنْهُ الْهِدَايَةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ:
إِنَّ أَوَّلَ مَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَعْلَمَ طَالِبُ الْحَقِّ أَنَّ لِذَاتِهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ هِيَ هُوَ؛ الْإِطْلَاقَ عَنِ التَّقْيِيدِ وَالْإِطْلَاقِ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَبْلُغُهُ الْوَصْفُ، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّ الْجَهْلَ بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ جَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ وَالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ هُوَ عَيْنُ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْجَهْلَ بِأُلُوهِيَّتِهِ تَعَالَى عَيْنُ الْكُفْرِ.
فَبَانَ لَنَا أَنَّ مُتَعَلَّقَ عِلْمِ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ تَعَالَى هُوَ الْعِلْمُ بِالْأُلُوهِيَّةِ أَوَّلًا، وَهَذَا عَيْنُ الْإِيمَانِ، وَالْأُلُوهِيَّةُ رُتْبَةُ الذَّاتِ الَّتِي تُدْرَكُ وَلَا تُشْهَدُ؛ أَعْنِي الْأُلُوهِيَّةَ.
وَمَتَى عَلِمْنَا ذَلِكَ وَاسْتَحْضَرْنَاهُ حَصَلَتْ لَنَا نِسْبَةٌ مِنْ نِسَبِ الْعِلْمِ بِاللهِ.
وَالْعِلْمُ بِاللهِ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ إِخْبَارٍ إِلَهِيٍّ يُخْبِرُ بِهِ الصَّادِقُ الْأَمِينُ مِنَ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَأَعْلَاهُ إِخْبَارُ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَا عَنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ ذَوْقٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ؛ أَعْنِي عَلَى الْعِلْمِ بِاللهِ تَعَالَى: الْمَعْرِفَةُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ: الْعَارِفُ.
وَالْمَعْرِفَةُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَجْهٍ مُرَادِفَةً لِلْعِلْمِ، إِلَّا أَنَّهَا مِنَ الْوَجْهِ الْأَمْثَلِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِ الْحَقِّ تَعَالَى؛ ضِدُّ النَّكِرَةِ، فَغَايَةُ إِدْرَاكِ الْخَلْقِ لِلْحَقِّ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، إِنَّمَا هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْمُضَادَّةُ لِلْإِنْكَارِ.
ثُمَّ إِنَّ مَعْرِفَتَنَا بِهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ إِلَّا عَنْ شُهُودٍ كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، أَوْ عَنْ تَعْرِيفٍ إِلَهِيٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّصْدِيقِ بِمَا عَرَّفَنَا الْحَقُّ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى يَدِ رُسُلِهِ وَكُتُبِهِ.
فَإِذَا اسْتَحْضَرْنَا بَعْضَ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ حَتَّى تَجْتَمِعَ لَنَا، اتَّسَعَتْ مَدَارِكُنَا لِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي
- أَنَّ الْعِلْمَ يَعْنِي الْإِحَاطَةَ بِمَا يَصِحُّ الْإِحَاطَةُ بِهِ، وَلِذَا وَقَفَ أَكَابِرُ الْعَارِفِينَ أَعْمَارَهُمْ عَلَى مَقَامِ الْحَيْرَةِ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِ سُبْحَانَهُ.
- أَنَّ الِاسْمَ نِسْبَةٌ مِنْ نِسَبِ الذَّاتِ دَالَّةٌ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الذَّاتِ أَوْ أَكْثَرَ.
- أَنَّ الْكَلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ صُورَةِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ نِسْبَةٍ مِنْ نِسَبِ عِلْمِهِ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ أَنَّ إِدْرَاكَ الْعَبْدِ لِكَلَامِ اللهِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ إِدْرَاكِهِ لِوَجْهٍ أَوْ وُجُوهٍ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى.
- أَنَّ عِلْمَ اللهِ الْقَدِيمَ بِالْعَالَمِ هُوَ عَيْنُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ بِاللهِ تَابِعٌ لِعِلْمِهِ بِمَا أَوْدَعَهُ الْحَقُّ تَعَالَى فِي كَلَامِهِ وَكَلِمَاتِهِ، مِنْ عِلْمِهِ بِالْعَالَمِ، وَإِعْلَامِهِ لَنَا بِأَسْمَائِهِ، وَأَعْنِي بِكَلَامِهِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَبِكَلِمَاتِهِ الْأَكْوَانَ الْمُتَكَوِّنَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ [الكهف: 109]
- أَنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى عِبَارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِنِسَبِهِ الَّتِي أَبْرَزَهَا مِنْ كَنْزِهِ.
فَمَنِ اسْتَحْضَرَ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ وَأَمْثَالَهَا ثُمَّ اسْتَغْرَقَ بِكُلِّيَّتِهِ فِي تَصْفِيَةِ قَلْبِهِ بِالذِّكْرِ حَتَّى قَابَلَ حَضْرَةَ الْمَذْكُورِ بِمِرْآةٍ قَلْبِيَّةٍ مَجْلُوَّةٍ، انْطَبَعَ فِيهَا مَا شَاءَ الْحَقُّ مِمَّا تَجَلَّى لَهُ بِهِ، فَإِنْ عَرَفَهُ بِنِسْبَةٍ، أَوْ نِسَبٍ، وَشَاهَدَهُ بِوَجْهٍ، أَوْ أَوْجُهٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَقَّ مِنْ حَيْثُ مَرْتَبَة، أَوْ مَرَاتِب، وَعَلِمَ أَنَّ إِدْرَاكَهُ مُقَيَّدٌ، وَالْحَقّ تَعَالَى مُطْلَقٌ عَنِ التَّقْيِيدِ.
وَإِنْ قَابَلَ الْعَبْدُ حَضْرَةَ رَبِّهِ بِذَاتٍ أَحَدِيَّةٍ جَمْعِيَّةٍ فَقَدْ شَهِدَهُ مُطْلَقًا عَنْ كُلِّ وَصْفٍ أَوِ اسْمٍ أَوْ حُكْمٍ، غَيْرَ أَنَّ الْآلَةَ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَقْوَى عَلَى حِفْظِ مَا شَهِدَ وَتَقْيِيدِ مَا أَدْرَكَ.
وَمَتَى شَهِدَ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَقَّ تَعَالَى فِي مَرْتَبَةِ إِطْلَاقِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مُطْلَقٌ عَنِ الْإِطْلَاقِ، إِذِ الْإِطْلَاقُ صُورَةٌ مَعْقُولَةٌ قَدْ يَضْبِطُهَا الذِّهْنُ الَّذِي عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ مَا أَدْرَكَ وَإِدْرَاكِ مَا شَهِدَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَعَلَّ مِنَ الْمُجْدِي أَنْ أُؤَكِّدَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ الْوَاجِبَ تَنْزِيهُ ذَاتِ الْحَقِّ تَعَالَى عَنْهُ بِدَايَةً، هُوَ الْإِطْلَاقُ الَّذِي ضِدُّ التَّقْيِيدِ، فَهَذَا وُسْعُ الْعُقُولِ فِي الْعُمُومِ، وَإِلَّا فَإِنَّ لِذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ مَرْتَبَةَ الْإِطْلَاقِ الذَّاتِيِّ، وَغَايَةُ مَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى نِسْبَتُهُ لِلْأَحَدِيَّةِ.
وَقَدْ يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا أَحَدِيَّةَ الذَّاتِ، وَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ: عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةِ التَّعَيُّنِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ تَجَلِّيهِ تَعَالَى فِي النَّفَسِ الرَّحْمَانِيِّ وَالْعَمَاءِ الرَّبَّانِيِّ.
وَهُوَ جَوَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُؤَالِ: أَيْنَ كَانَ اللهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي عَمَاءٍ، مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ»، يَعْنِي: لَا يُحَاطُ بِهِ.
وَالْعَمَاءُ: عِبَارَةٌ عَنِ السَّحَابَةِ اللَّطِيفَةِ، وَهِيَ نَفَسُ الرَّحْمَنِ، فَهَذَا بَدْءُ تَجَلِّيهِ وَتَعَيُّنِهِ فِي مَادَّةِ الْأَكْوَانِ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى تِلْكَ الحَقِيقَةِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَبِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى إِنَّ الدَّابَّةَ تَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وَاحْتَبَسَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ إِلَى تِلْكَ، فَرَحِمَ بِهَا عِبَادَهُ».
فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ عَيْنُ أَوَّلِ تَجَلِّيَاتِهِ، وَمَوْطِنُ قَبُولِ تَعَيُّنِهِ بِأَحَدِيَّتِهِ، وَهِيَ مَادَّةُ الْأَكْوَانِ، وَمَحَلُّ تَوَجُّهِهِ عَلَى مَعْلُومَاتِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ الْمُنْطَبِعَةِ بِتَجَلِّيهِ فِي نَفَسِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمَثَلُ أَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَمَعْلُومَاتِ عِلْمِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَاءِ؛ كَمَثَلِ قَطَرَاتِ الْمَاءِ فِي الْمَاءِ، فَهَذَا مِثَالٌ لِتَقْرِيبِ تَعَيُّنِهِ بِأَحَدِيَّتِهِ فِي تِلْكَ الْحَضْرَةِ لِمَنْ وَعَى.
فَمَنْ عَلِمَ ذلكَ عَلِمَ أنَّ جَمِيعَ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِّ تَعَالَى مِنَ الْوَحْدَةِ، وَالْحُكْمِ، وَالتَّأثيرِ، وَالْفِعْلِ فَمُتَعَلِّقٌ بِالتَّعَيُّنِ فِي الْمَرَاتِبِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَاسْتِنَادُهُ إلَى مَرْتَبَةِ الْألُوهِيَّةِ، وَمَرْتَبَةُ الْألُوهِيَّةِ نِسْبَةٌ مِنْ نِسَبِ الذَّاتِ، فَلَا يَظْهَرُ لَنَا مِنْهُ تَعَالَى بِرَفْعِ الْحُجُبِ عَنِ الْقَلْبِ، أوِ الْعَقْلِ، أوِ الْحِسِّ إلَّا نِسَبٌ وَرَوَابِطُ وإضَافَاتٌ ظَهَرَتْ بِتَجَلِّيهِ تَعَالَى فِي الْمَرَاتِبِ، وَأنَّ غَايَةَ الكَشْفِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الكُّمَّلُ، وأشَارُوا إلَى نَتَائجِهِ، إنَّمَا يَكُونُ بِمُقَابَلَاتٍ جَمْعِيَّةٍ، بِحَيْثُ يَنْطَبِعُ فِي أحَدِيَّةِ جَمْعِ ذَاتِ الْعَبْدِ، أحَدِيَّةُ جَمْعِ مَا تَفَصَّلَ مِمَّا يُطْلِعُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ تَجَلِّيهِ فِي الْمَرَاتِبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ، بِمَا هُوَ إِنْسَانٌ، بِاسْمِهِ «الْجَامِعِ»، وَهُوَ الِاسْمُ ᰆ«اللهُ»، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْخَاصِّ تَسْتَمِدُّ حَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْحَقِّ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلِلْإِنْسَانِ وُجُوهٌ أُخَرُ يَسْتَمِدُّ بِهَا بِحَسَبِ الْمَوَاطِنِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَغْرَاضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ.
فَيَسْتَمِدُّ بِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ تَرْكِيبِهِ وَمَطْلُوبَاتِهِ مِنْ الِاسْمِ أَوِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يَتَجَلَّى بِهَا الْحَقُّ فِي الْمَرَاتِبِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي نَظَرُ ذَلِكَ الْعَبْدِ إِلَيْهَا، بَلِ الْحَقُّ أَنَّهُ مَا مِنْ دَقِيقَةٍ مِنْ دَقَائِقِ الشُّخُوصِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَّا وَلَهَا مِنَ اللهِ وَجْهٌ خَاصٌّ يَمُدُّهُ الْحَقُّ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةِ كَوْنٍ، وَوَجْهٌ إِلَى الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِطِ.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُشْهِدُهُ الْحَقُّ تَعَالَى تَجَلِّيَهُ فِي الْأَسْبَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْجُبُ ذَلِكَ عَنْهُ إِمَّا رَحْمَةً فِي حَقِّ قَوْمٍ، وَإِمَّا حِرْمَانًا فِي حَقِّ قَوْمٍ ظَالِمِينَ.
فَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ عَبَدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ شَهَادَةً وَغَيْبًا، وَمَنْ جَهِلَهُ اسْتَعْبَدَتْهُ الْأَسْبَابُ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ رَفَعَ عَنْهُ الْحِجَابَ بِمَحْضِ فَضْلِهِ.
وَاللهُ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ …
أَيْمَنُ حَمْدِي الأَكْبَرِيُّ
شَيْخُ الطَّرِيقَةِ الأَكْبَرِيَّةِ الحَاتِمِيَّةِ
اكتشاف المزيد من الطَّرِيقَةُ الأَكْبَرِيَّةُ الحَاتِمِيَّةُ
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الله
ربنا يحققنا